المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طه حسين



يحيى العبدلي
22-11-2003, 01:48 AM
طه حسين
http://www.omeldonia.com/adminupload/entertainment/celebrity/5463_Full.jpg
&&&&&&


السيرة الذاتية
لطه حسين عميد الأدب العربي تجسد قصة كفاح انسانى وفكري و طه حسين هو احد الأركان الأساسية في تكوين العقل العربي المعاصر واحد رواد حركة التنوير في الفكر العربي.

ولد عميد الأدب العربي فى عزبة صغيرة تقع على بعد كيلو متر واحد من مغاغة بمحافظة المنيا في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889م. والده هو حسين علي موظفاً في شركة السكر و له ثلاثة عشر ولداً كان سابعهم في الترتيب "طه" الذي أصابه رمد فعالجه الحلاق علاجاً ذهب بعينيه. وكانت هذه العاهة هي السبب فى الكشف مبكرا عن ملكات طه حسين، فقد استطاع تكوين صورة حية فى مخيلته عن كل فرد من أفراد عائلته اعتمادا على حركة وصوت كل منهم، بل كانت السبب المباشر فى الكشف عن عزيمته بعد ان قرر التغلب على عاهته بإطلاق العنان لخياله إلى آفاق بعيدة. و قد أتم طه حسين حفظ القرآن الكريم بينما لم يكن قد أكمل السنوات العشر وبعد ذلك بأربع سنوات بدأت رحلته الكبرى عندما غادر القاهرة متوجها إلى الأزهر طلباً للعلم.

في عام 1908 بدأ يتبرم بمحاضرات معظم شيوخ الأزهر فاقتصر على حضور بعضها فقط مثل درس الشيخ بخيت ودروس الأدب. وفي العام ذاته أنشئت الجامعة المصرية، فالتحق بها طه حسين وسمع دروس احمد زكي (باشا) في الحضارة الإسلامية واحمد كمال (باشا) في الحضارة المصرية القديمة ودروس الجغرافيا والتاريخ واللغات السامية والفلك والأدب والفلسفة.

ثم اعد طه حسين رسالته للدكتوراه و قد نوقشت في 1914م و كانت عن ذكرى ابي العلاء و كانت أول كتاب قدم الى الجامعة واول رسالة دكتوراه منحتها الجامعة المصرية.

و قد أحدث نشر هذه الرسالة في كتاب ضجة هائلة ومواقف متعارضة وصلت الى حد طلب احد نواب البرلمان حرمان طه حسين من حقوق الجامعيين "لأنه الف كتابا فيه الحاد وكفر"! ولكن سعد زغلول اقنع النائب بالعدول عن مطالبه. و فى نفس العام سافر طه حسين إلى فرنسا ضمن بعثة من الجامعة المصرية والتحق هناك بجامعة مونبلييه و درس اللغة الفرنسية وعلم النفس والأدب والتاريخ.

ولاسباب مالية عاد المبعوثين وفي العام التالي 1915 عاد طه حسين إلى بعثته ولكن إلى باريس هذه المرة حيث التحق بكلية الآداب بجامعة باريس وتلقى دروسه في التاريخ ثم في الاجتماع و قد اعد رسالة على يد عالم الاجتماع الشهير "اميل دوركايم" عن موضوع "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون" واكملها مع "بوجليه" بعد وفاة دوركايم وناقشها وحصل بها على درجة الدكتوراه في عام 1919م ثم حصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة اللاتينية.

و قد تزوج في 9 أغسطس 1917 بالسيدة سوزان و تعرف الدكتور طه حسين على السيدة سوزان عندما كانت تقرأ مقطعا من شعر رايسين فأحب نغمات صوتها وعشق طريقة إلقائها وتعلق قلبه بها.

وفي عام 1919 عاد طه حسين إلى مصر فعين أستاذا للتاريخ اليوناني والروماني واستمر كذلك حتى عام 1925 حيث تحولت الجامعة المصرية في ذلك العام إلى جامعة حكومية وعين طه حسين أستاذا لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب.

و قد بدأت معركة طه حسين الكبرى من اجل التنوير واحترام العقل في عام 1926 عندما أصدر كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي أحدث ضجة كبيرة و رفعت دعوى قضائية ضد طه حسين فأمرت النيابة بسحب الكتاب من منافذ البيع وأوقفت توزيعه.

وفي عام 1928 تفجرت ضجة ثانية بتعيينه عميداً لكلية الآداب الأمر الذي اثار ازمة سياسية انتهت بالاتفاق مع طه حسين على الاستقالة فاشترط ان يعين اولاً وبالفعل عين ليوم واحد ثم قدم الاستقالة في المساء. ثم اختارت الكلية طه حسين عميداً لها عام 1930 مع انتهاء عمادة ميشوالفرنسي. وفي عام 1932 حدثت ازمة كبرى حيث كانت الحكومة ترغب في منح الدكتوراه الفخرية من كلية الآداب لبعض السياسيين فرفض طه حسين حفاظاً على مكانة الدرجة العلمية، مما اضطر الحكومة إلى اللجوء لكلية الحقوق.

و بعد ذلك تم نقل طه حسين الى ديوان الوزارة فرفض العمل وتابع الحملة في الصحف والجامعة كما رفض تسوية الازمة الا بعد اعادته الى عمله وتدخل رئيس الوزراء فأحاله الى التقاعد في 29 مارس 1932 فلزم بيته ومارس الكتابة في بعض الصحف الى ان اشترى امتياز جريدة "الوادي" وتولى الاشراف على تحريرها، ثم عاد الى الجامعة في نهاية عام 1934 وبعدها بعامين عاد عميداً لكلية الاداب واستمر حتى عام 1939 عندما انتدب مراقباً للثقافة في وزارة المعارف حتى عام 1942 .

و قد تسلم طه حسين حزب الوفد للحكم فى فبراير1942ايذانا بتغير اخر فى حياته الوظيفية حتى انتدبه نجيب الهلالي وزير المعارف مستشاراً فنياً له ثم مديراً لجامعة الاسكندرية حتى احيل على التقاعد في 1944.

وفى عام 1950 عين لاول مرة وزيراً للمعارف في الحكومة الوفدية التي استمرت حتى 1952 حتى يوم إحراق القاهرة حيث تم حل الحكومة. ثم انصرف حتى وفاته عام 1973 الى الانتاج الفكري والنشاط في العديد من المجامع العلمية التي كان عضواً بها داخل مصر وخارجها.

تأثر طه حسين فى بداية حياته الفكرية بثلاثة من المفكرين المصريين هم الإمام محمد عبده والاستاذ قاسم أمين ، والاستاذ أحمد لطفي فمحمد عبده له السبق فى دعواه لإصلاح الأزهر ، والاستاذ قاسم امين له الفضل فى قضية تحرير المرأة والايمان بها كطاقة اجتماعية فعالة ، و الأستاذ احمد لطفى السيد الفضل فى الدعوة لاستخدام العقل فى مناقشة قضايانا الاجتماعية والسياسية .

وفكر طه حسين كان مزيج قوى بين حضارتين متصارعتين، مختلفتين متغايرتين " حضارة الشرق " و " حضارة الغرب " ، وعصارة من جامعتين مختلفتين : الازهر الشريف وجامعة باريس.

فطه حسين هو المفكر والأديب الذى تناول قضايا العلاقة بين الاصالة والمعاصرة، وبين الموروث والمستحدث إلى قضايا التنازع بين قيود النقل وحرية العقل، والعلاقة بين الشرق والغرب، ونشر التعليم والقضاء على الأمية، إلى جانب قضايا التجديد فى الأدب والفكر.

وما زال التراث الذي خلفه هذا العملاق احد أهم مصادر الاستنارة فى عالمنا الفكرى والادبى والثقافى فقد ترك لنا إرثاً غنياً يزيد عن الخمسين مؤلفاً في النقد الأدبي، والقصة وفلسفة التربية والتاريخ وكم كبير من الترجمات .

فقد شغلت الترجمة طه حسين في جميع مراحل حياته، فقدم قبل البعثة في 1914، بالاشتراك مع محمود رمضان، كتاب (الواجب) لجول سيمون في جزءين.

و منذ عودته من البعثة الفرنسية في 1919 في السنوات الاولى بعد العودة من البعثة قدم طه حسين من الأعمال المترجمة (نظام الاثينيين) لارسطو طاليس، و(روح التربية) لغوستاف لوبون في 1921، ثم (قصص تمثيلية) لفرنسوا دي كوريل وآخرين في 1924.

وما بين الثلاثينات والخمسينات قدم طه حسين في الترجمة (أندروماك) لراسين في 1935، و(أنتيجون) سوفوكليس في 1938، و(من الادب التمثيلي اليوناني) في 1939، و(من الاساطير اليونانية) لأندريه جيد في 1946، و(زاريج او القدر) لفولتير في 1947، و(أوديب) سوفوكليس في 1955. كما كتب طه حسين الكثير من الفصول والمقالات المتفرقة عن الآداب الاجنبية، جمع بعضها في كتب، وقدم عدداً من الكتب المترجمة ذات القيمة في المكتبة العربية، بالاضافة الى ما كتبه في الدوريات عن كثير من الكتب المترجمة إلى اللغة العربية.

ومن كتبه قدم فى عام 1925 (حديث الاربعاء) فى اجزائه الثلاثة ويتحدث فيه عن شعراء المجون والدعابة فى الدولتين الاموية والعباسية مثل مجنون بن عامر ، المرجى كثير عمر بن ابى ربيعة بشار بن برد وهى الفصول التى كان ينشرها فى صحيفة السياسة .

و كتاب (على هامش السيرة) ويعتبر تنقية للمادة الاسلامية مما يتداخل معها من المواد الاخرى من العلوم والفنون وتبسيط هذه المادة بالقدر الذى لا يفقدها معناها .

و رواية (الايام) بأجزائها الثلاثة و هى رواية تتناول حياته الذاتية ونشرت مسلسلة فى مجلة الهلال وترجمت الى معظم لغات العالم. و قدم كتاب ( حافظ وشوقى ) فى عام 1933 وهو دراسة عن شاعرى مصر الكبيرين أحمد شوقى وحافظ ابراهيم.

و فى عام 1935 (الحياة الادبية فى جزيرة العرب ) وهو الكتاب المعروف (بألوان) يشمل دراسات تعمق واستقصاء الوان مختلفة من الادب على تباعد العصوروتباين الاجيال .

و قدم مجموعة رسائل ومقالات (من بعيد ) كتبها عن الحياة فى باريس وعن شخصية سارة برنار وعن حياة البحر والسفر . و قدم (اديب ملكا) و قدم طه حسين فيه نفسه على انه بطل القصة من خلال صور حية طريفة وذكريات فنية خصبة لاديب ازهرى استبدل العمامة والجبة والقفطان بالبدلة ورباط العنق وتنقله الاقدار من اروقة الأزهر واحيائه العريقة الى باريس مدينة العلم والنور.

وفى عام 1938 قدم رواية (الحب الضائع ) بطلة قصته هى مادلين موريل وقد اختار لها ارض فرنسا خلال احداث الحرب العالمية الاولى . ومن اشهر كتبه كتاب (مستقبل الثقافة فى مصر) وفيه يضع الخطوط العريضة لرؤيته للاصلاح التربوى .

وفى عام 1942 (دعاء الكروان ) وهى رواية بطلتها فتاة ريفية اغواها شاب من اهل المدينة فلم تحسن الدفاع عن نفسها من شر غوايته فكتب عليها الموت خلاصا من العار .

و قد اسس طه حسين ومعه حسن محمود (مجلة الكاتب المصري ) وكانت مراة للاشعاع الفكرى والابداع فى العالم العربى . وفى عام 1949 (المعذوبن فى الأرض ) وقد جلب عليه هذا الكتاب الكثير من المتاعب والمشاكل وجعله محط انظار رجال البوليس السياسي حيث صودر ومنع دخوله إلى القاهرة.

و قد تم تكريم عميد الأدب العربي فى مصر والعديد من الهيئات الدولية فلقب طه حسين بـ مارتن لوثر الشرق ورينان مصر الضرير. وفى عام 1949 حصل على جائزة الدولة للآداب و في عام 1950 اختير وزيرا للتعليم كما انهالت الدعوات على طه حسين من جامعات العالم لمنحه الدكتوراه الفخرية تقديرا لعلمه وادبه وفكره وتأتى في مقدمتها جامعة ليون، مونبلييه، مدريد، روما، أكسفورد وأثينا.

وفى عام 1959 حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الادب العربي و فى عام 1965 حصل على قلادة النيل الكبرى وهى ارفع وسام فى مصر كما حصل فى اخر عام 1973 حصل على جائزة من لجنة الامم المتحدة لحقوق الإنسان .

وبمناسبة مرور مائة عام على ميلاده فى عام 1989 رفعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو ) فى مؤتمرها الحادي والثلاثين بعد المائة توصية للاحتفال بهذا الحدث الجليل.

و فى عام 1999 نظم المكتب الاعلامى والمكتب الثقافي بباريس بالتعاون مع جامعة السوريون تحت رعاية منظمة اليونسكو احتفالية عن حياة وفكر الدكتور طه حسين.

ومن الاوسمة والنياشين والميداليات التى نالها العميد قلادة النيل من مصر ووسام النيل من المملكة المصرية ووسام جامعة كلوسترو من إيطاليا ووسام الاستحقاق من سوريا ووسام الجمهورية التونسية و وسام الاستحقاق من السنغال و وسام النمسا كما نال ميدالية الفارس من فرنسا و ميدالية جامعة مونبليية من فرنسا وميدالية منظمة اليونيسف 1956 وجائزة حقوق الانسان من الامم المتحدة 1973.

واذا اراد احد ان يرى سجل حافل لحياة طه حسين فليذهب الى فيلا رامتان (متحف طه حسين ) الذي عاش فيها أهم مراحل حياته وترك لنا فيها ذكرياته من كتب ومخطوطات وصور وأوسمة ونياشين تحكى قصة كفاحه وتؤرخ الثقافة العربية في مصر خلال حقبة طويلة من الزمن .



المصدر : الانترنت

د. حسين علي محمد
03-10-2005, 11:12 PM
طه حسين
(1889-1973م)
نظرات في حياته وأدبه
بقلم: أ.د. حسين علي محمد(1)

رحلة حياة
ولد طه حسين في عزبة الكيلو (بالقرب من مركز مغاغة محافظة المنيا بصعيد مصر) في 14 نوفمبر سنة 1889م، ولقد فقد بصره وهو في سني حياته الأولى. حفظ القرآن في كتاب القرية، ثم انتقل إلى القاهرة ليدرس في الأزهر سنة 1902م مع أخيه المرحوم الشيخ أحمد حسين، وحين أنشئت الجامعة الأهلية سنة 1908م أخذ يتردّد عليها، ثم تفرّغ لها حين أسقط في العالمية سنة 1912م، وأخذ الدكتوراه من الجامعة الأهلية سنة 1914م عن بحثه "ذكرى أبي العلاء"، ثم أوفد في بعثة في السنة نفسها إلى فرنسا، فدرس نحو سنة في مونبلييه، ثم عاد إلى مصر لعجز الميزانية في الجامعة سنة 1915م، ثم سافر أواخر هذه السنة إلى باريس ـ بعد إصلاح شؤون الجامعة ـ وظل بها حتى سنة 1919م، وكان في خلال هذه الفترة قد حصل على الدكتوراه سنة 1919م على أطروحته "فلسفة ابن خلدون"، ثم دبلوم الدراسات العليا في التاريخ القديم سنة 1919م. ثم عاد إلى مصر فعمل مدرساً للتاريخ القديم (سنة 1919م) بالجامعة، ثم أستاذاً للأدب العربي حين ضمت الجامعة إلى الحكومة سنة 1925م، ثم انتخب عميداً لكلية الآداب سنة 1930م، ثم أخرج من الجامعة في عهد صدقي سنة 1932م، ثم أعيد إلى الجامعة سنة 1936م، ثم انتخب عميداً سنة 1938م، ثم عُيِّن مستشاراً فنيا لوزارة المعارف، ثم مديراً لجامعة الإسكندرية في وزارة الوفد سنة 1942م، ثم أُحيل إلى التقاعد سنة 1944م، ثم عاد وزيراً للمعارف في وزارة الوفد سنة 1950م، ونال جائزة الدولة التقديرية سنة 1961م( ). ولقد توفي في 28 من أكتوبر سنة 1973م في نفس اليوم الذي أعلنت فيه الصحف المصرية أنه فاز بجائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مع يوثانت وأربعة آخرين( ).
مؤلفاته
كتب الدكتور طه حسين أكثر من أربعين كتاباً في الأدب والتاريخ والدين والتربية، ومن كتبه "الأيام" التي صدر الجزء الثالث منها مؤخراً، وطبع الجزء الأول والثاني أكثر من ثلاثين طبعة، وقصص "المعذبون في الأرض" و"أحلام شهرزاد" و"دعاء الكروان"، وله في الدراسات الدينية "على هامش السيرة" و"الشيخان" و"الوعد الحق" و"علي وبنوه" و"مرآة الإسلام"، وهذه الكتب السابقة يمتزج فيها التاريخ للإسلام بالدراسة التحليلية، وله في التربية "مستقبل الثقافة في مصر"، وله في الدراسات الأدبية "حديث الأربعاء" و"من حديث الشعر والنثر" و"في الأدب الجاهلي" و"مع المتنبي" … وغيرها.
ولقد صدرت عنه عدة مؤلفات، منها: "طه حسين الكاتب والشاعر" لمحمد سيد كيلاني"، و"مع طه حسين" للكاتب السوري الراحل سامي الكيالي، وقد أصدرت عنه مجلة "الأدب" المحتجبة (التي كان يصدرها أمين الخولي 1957-1966م) عدداً خاصا،كما أصدرت مجلة "الهلال" المصرية عدداً خاصا عنه في أول فبراير 1966م، وخصّص له صلاح عبد الصبور فصلاً في كتابه "ماذا يبقى منهم للتاريخ ؟"، وصدر عنه مؤخراً كتاب في العراق بعنوان "طه حسين بين أنصاره وخصومه"، وكتبت عنه مقالات ودراسات متفرقة في ثنايا كتب ودراسات أدبية بأقلام الدكاترة: شوقي ضيف، وعلي الراعي، وعبد المحسن طه بدر، وأحمد هيكل … وغيرهم.
معارك أدبية
اتصل طه حسين من بداية شبابه بالصحافة، وحينما ظهرت "السياسة" في 30 أكتوبر 1922م، و"السياسة الأسبوعية" في 13 مارس 1926م كملحق لها يهتم بالدراسات الأدبية كان الدكتور طه حسين من كتّابها البارزين، فلقد كان أحد فرسان ثلاثة هم فرسان الكلمة في حزب الأحرار، هم الدكاترة: محمد حسين هيكل، وطه حسين، ومحمود عزمي.
ولقد ظل طه حسين موالياً للأحرار حتى سنة 1932م حين أخرجه صدقي من الجامعة. وكان الوفديون والأحرار متضامنين لمحاربة صدقي؛ فأخذ طه حسين يكتب في صحف الوفد، وأخذ يتقرب من الوفد حتى صار وزيراً في وزارة الوفد بعد ذلك سنة 1950م.
ولقد خاض الدكتور طه حسين في بداية حياته معارك أدبية نقدية لعل أشهرها هذه المعركة الأدبية التي دارت حول كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان، وقد ظل الحوار بينه وبين جرجي زيدان مشتعلاً فترة طويلة( ).
في الشعر الجاهلي
أما كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي صدر للدكتور طه حسين سنة 1936م فقد أثار زوبعةً من النقد حوله لم يُثرها كتاب آخر، باستثناء كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
وكتاب "في الشعر الجاهلي" يُقدِّم نظرة جديدة في الشعر الجاهلي يرى صاحبها أن الشعر الجاهلي لا يُمثِّل الحياة العربية في العصر الجاهلي، ويؤكِّد أن هذا الشعر موضوع في العصر الإسلامي.
ويقول الدكتور أحمد هيكل في كتابه "تطور الأدب الحديث في مصر": "إذا تأملنا النظرة التي نظر بها الدكتور طه حسين إلى التاريخ العربي أولاً، وإلى الشعر العربي ثانياً وجدنا أن وراءها شعور باستقلال الشخصية المصرية، يحمل على عدم الارتباط بالتاريخ وبالتراث العربيين ارتباطاً يحمل على إجلالهما أو التسليم بما اشتملا عليه من أو استقر حولهما من قضايا. وليس يخفى ما وراء نظرة الدكتور طه حسين كذلك من إحساس قوي بالحرية الفردية، وتشبُّع هائل بالروح الثورية، مما جعله يخرج على الناس بهذه الآراء التي زلزلت أفكارهم وأثارت مشاعرهم، وجرّت عليه كثيراً من الخصومات والخصوم، حتى تجاوز الأمر الوسط العلمي والأدبي، وعرضت القضية بالبرلمان، وأوشكت أن تطوح بالمؤلف خارج الجامعة، لولا أنه هدّد رئيس الوزارة حينذاك بالاستقالة، فسكنت العاصفة إلى حين، واكتُفي بمصادرة الكتاب الذي أدخل عليه صاحبه بعض التعديلات التي لم تمس فكرته الأساسية، ونشره بعد ذلك باسم "في الأدب الجاهلي"( ).
ويقول الدكتور أحمد هيكل: "إن الخلافات الحزبية كانت من محرِّكات هذه الزوبعة، فلقد كانت الأغلبية البرلمانية وفدية حينذاك، وكان رئيس مجلس النواب هو سعد. ولذا انتقلت القضية إلى مجلس النواب لينال من طه حسين الموالي للأحرار الدستوريين، ولكن رئيس الوزراء حينذاك كان عبد الخالق ثروت، وكانت عواطفه مع الأحرار الدستوريين، وكان طه حسين قد جعل إهداء كتابه إليه، ومن هنا دافع عنه رئيس الوزراء على حين هاجمه رئيس مجلس النواب. ونظراً لتهديد رئيس الوزراء بالاستقالة قد انتقلت القصة من مجلس النواب إلى النيابة التي صادرت الكتاب"( ).
الأيام
ظهر كتاب "في الشعر الجاهلي" سنة 1926م، وكان "يمثل أول صدام حقيقي للمؤلف ببيئته، وأول تمرد من جانبه على موروثاتها … وكان طبيعيا أن تواجه البيئة كتابه بصلابة شديدة، جعلته يحس بأن جهل بيئته الذي كان سبباً في حرمانه في طفولته يوشك من جديد أن يكون سبباً في حرمانه في شبابه وفي رجولته، وليس غريباً بعد ذلك أن نعتبر كتاب "الأيام" رد فعل من جانب المؤلف على الثورة والضجة التي أحاطت بكتابه "في الشعر الجاهلي"، وقد ظهر كتاب "الشعر الجاهلي" سنة 1926م، وظهر كتاب "الأيام" سنة 1929م، وكان قد نشر قبل ظهوره مسلسلاً في مجلة "الهلال"( ).
بعض آرائه في حوار معه
أجريت مع الدكتور طه حسين حوارات كثيرة، منها حوار أجراه الأستاذ محمد رفعت المحامي في عدد ربيع الأول 1388هـ من مجلة «قافلة الزيت»، ويبدو في هذا الحوار شديد التواضع، فحينما يسأله المُحاور: «أنت أكثر من تُرجم له من أدبائنا إلى مختلف لُغات العالم، ويرجع ذلك إلى أن النقاد يروْن أن أدبك يعتبر نقطة بدء في دراسة الأدب العربي قديمه وحديثه»، يُعلِّق على ذلك بقوله: «ليس هذا، أظن أن السبب يرجع أصلاً إلى سهولة ترجمة بعض كتبي إلى غير اللغة العربيةـ أو إمكان ترجمتها».
وحينما قال لطه حسين: «إن قصة حياتك هي قصة المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين»، علَق على ذلك قائلاً، في تواضع: «هذا كثير، إنها حياة الطبقة المتوسطة فقط. أما المجتمع كلُّه، فلحياته قصص كثيرة. أنا ابن طبقتي».
وفي نهاية الحوار قال طه حسين إن أهم التحولات في حياته «ثلاث نقاط: الأولى: هي السفر لأوربا؛ لأنه حوّلني من التقليد إلى التجديد. والثانية: هي الزواج؛ لأنه أخرجني من وحدتي وأسعدني بنعمة الحب، والثالثة: هي إنجاب الأبناء؛ لأنه جعلني أشعر بالحنان وقسوة الحياة وتبعتها».
دعوة لدراسة آثار طه حسين
إن ما نشر من آثار طه حسين يُمثل بعض ما كتب في النقد والأدب والدين والحياة، ونرجو أن تنشر الهيئة المصرية العامة للكتاب أو دار المعارف الأعمال الكاملة لعميد الأدب العربي الراحل، فهناك مئات المقالات التي نشرت متفرقة، ولم تُجمع في كتب مغلفة بعد، كما أن هناك بعض القصائد التي نشرها في بداية حياته، والتي تُظهره لنا شاعراً جيداً. وبعد جمع آثاره نرجو أن يأخذ حقه من الدراسة المتأنية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(1) نشر في مجلة "الأديب"، بيروت ـ عدد ديسمبر 1973م، ص32، 33

د. حسين علي محمد
03-10-2005, 11:15 PM
طه حسين وأنور الجندي في وثيقة مجهولة

بقلم: أ.د. حسين علي محمد

في عدد إبريل 1991م من مجلة "الهلال" الزاهرة كتب الأستاذ أنور الجندي مقالة بعنوان "طه حسين والحركة الصهيونية في ثلاث رسائل حول رسالة جامعية". أمّا الوثائق الثلاث فهي:
1-مقدمة طه حسين لكتاب "تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام" تأليف إسرائيل ولفنسون، والكتاب في الأصل رسالة دكتوراه قُدِّمت إلى جامعة القاهرة بإشراف الدكتور طه حسين، عام 1927م.
2-كلمة لجريدة "الشمس"، العدد (472) في 3/12/1934م عن محاضرة ألقاها الدكتور طه حسين في دار المدارس الإسرائيلية.
3-كتاب "الصحافة الصهيونية في مصر 1897-1954م" للدكتورة عواطف عبد الرحمن.
وقد تفضَّل الأستاذ جلال السيد بالرد على الأستاذ أنور الجندي في مقالة بعنوان "طه حسين وهؤلاء" في جريدة "الجمهورية"، وبيَّن أنَّ هذه الأفكار ليست جديدة، فقد قالها الأستاذ أنور الجندي من قبل في كتابيه: "طه حسين: حياته وفكره في ضوء الإسلام"، الطبعة الأولى، دار الاعتصام 1976م، ص ص151-158، و"محاكمة فكر طه حسين"، الطبعة الأولى، دار الاعتصام 1984م، ص ص268-276.
وأشار الأستاذ جلال السيد إلى مقالة للأستاذ أنور الجندي نشرها في مجلة "الهلال"، فبراير 1966م، "عدد خاص عن طه حسين"، بعنوان "صفحات مجهولة من حياة طه حسين 1908-1916م"، وفي هذا المقال كان الأستاذ أنور الجندي ـ كما يقول الأستاذ جلال السيد ـ "يبحث عن أعظم حدث في حياته، ويبحث عن أساتذته وعلاقاته. يومها، حتى عام 1966م لم يكن طه حسين على علاقة بالصهيونية، ولكن ما إن رحل الكاتب والأديب والمفكر ورائد حركة التنوير في مصر ـ في أكتوبر 1973م ـ حتى اكتشف الأستاذ الموثق علاقة طه حسين بالصهيونية، ولم يقف عند العلاقة بالصهيونية، بل أضاف اتهامات أخرى"( ).
***
وقد قرأت ما كتبه الأستاذ أنور الجندي في كتبه ومقالاته المختلفة في مجلة "منار الإسلام" الظبيانية وغيرها عن كتب طه حسين: "الفتنة الكبرى"، و"الشيخان"، و"علي وبنوه"، و"على هامش السيرة"، فوجدتُ فيها تكراراً كثيراً لاتهاماته لطه حسين، ممّا يتضاءل بجانبها ما كتبه في عدد إبريل 1991م من "الهلال".
وكتابات الأستاذ أنور الجندي التي ينشرها الآن على الناس تتناقض مع مقالة "الهلال" التي أشار إليها الأستاذ جلال السيد، وتتناقض مع مقالته "أدباء معاصرون: طه حسين" التي كتبها قبل مقالة "الهلال" بثلاثة عشر عاماً، ونشرها في مجلة "الأديب" اللبنانية المحتجبة (1942-1983م) في عدد يوليو 1953م، الجزء السابع، السنة الثانية عشرة، ص51، 52 (يرى القارئ صورةً لها مع المقال).
يقول في الفقرتين الأولى والثانية من هذه الوثيقة:
"لا تستطيع أن تفهم طه حسين أو تصل إليه بمؤلَّف واحد من مؤلفاته، فهو رجل أحب الحرية وكلف بها منذ صباه، وقد جرَّ عليه حبُّه لها متاعب كثيرة، كانت هذه المتاعب في حلقاتها المتصلة، عاملاً من العوامل التي دفعته إلى أن يُنشئ ألواناً مختلفة من الأدب، وفنوناً من الحديث.
فلقد اصطدم طه حسين بالناس، واصطدم بالحكومات، واصطدم بالملك المطرود، واصطدم بالأزهر والأزهريين في مطلع حياته، وكان طوال هذه الأربعين عاماً من عمر أدبه، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، لا يتوقف ولا يجمد، ولا يبهره المجد الأدبي، أو تُسلمه الشهرة إلى النوم العميق".
ويتضح من هذا النص إعجاب أنور الجندي بطه حسين، فإذا ما تساءلنا عن سر هذا الإعجاب أرجعناه إلى:
-كثرة مؤلفات طه حسين وعمقها.
-إعجابه بالحرية، والتضحيات التي لاقاها في هذا السبيل.
-أنه أنشأ ألواناً أدبية مختلفة.
-شجاعته، واصطدامه بالناس والحكومات والملك بسبب ذلك.
-التطور وعدم التوقف أو الجمود.
وفي الفقرة التالية يتناول إخلاص طه حسين لأدبه، فيقول:
«فهو دائب الإنتاج والإبداع والإنشاء، يُظهر القراء من نفسه وأدبه كل يوم على فن جديد، وهو إلى ذلك دائب القراءة والمطالعة والبحث، حتى ليكاد يصرف يومه كله أو أيامه كلها في بعض الأحيان، لا يلقى أحداً».
وفي هذه الفقرة تُطالع مُبالغات أنور الجندي ـ التي قادته فيما بعد إلى الموقف الضد ـ فلا نعرف كيف كان «يُظهر القراء من نفسه وأدبه كل يوم على فن جديد». ولكنه الحب الذي يجعله يستخدم التوكيد «يصرف يومه كله أو أيامه كلها … لا يلقى أحداً».
ويذكر بعض ذلك أنه حاول أن يُقابل طه حسين ذات يوم، فقيل له إنه لا يستطيع أن يلقاك طيلة أسبوع كامل لأنه يُعد مُحاضرة، فلما حان موعد المحاضرة ذهب الأستاذ أنور الجندي لسماعها مشوقاً ليفهم إلى أي مدى كانت هذه المحاضرة مستحقة أن تأخذ منه كل هذا الوقت، فوجده صادقاً.
ثم يتحدث بعد ذلك عن طه حسين الثائر، ويميزه عن غيره من الثوار «فقد جرت العادة أن يتغيّر الناس كلما ارتفع بهم السن فينتقلون من الشمال إلى اليمين ويتطورون من الثورة إلى الاعتدال أما هو فكان على العكس من ذلك» (أي انتقل من اليمين المُحافظ إلى اليسار الثائر).
ويتحدث بعد ذلك عن تجديده ـ الذي هاجمه بعد ذلك بشراسة في كتابيه «طه حسين: حياته وفكره في ضوء الإسلام» و«محاكمة فكر طه حسين» وفي مقالاته في «منار الإسلام» فيقول في مقالة مجلة «الأديب» ـ يوليو 1953م:
«وأنشأ طه حسين فنوناً من الأدب. أنشأ الأدب الإسلامي على صورة القصة الأوربية «الميثولوجيا» فكان لوناً جديداً غير مسبوق».
وفي نهاية المقال يُصرِّح الأستاذ أنور الجندي بأن طه حسين «هو الكاتب الأول في مصر، الذي يستطيع أن يكتب عن نفسه في صدق وشجاعة كما فعل في «الأيام» و«أوديب».
فهذا «الكاتب الأول» صار عنده «الرجيم الأول» بعد رحيله!
ما الذي جعل الأستاذ أنور الجندي يتحول عن طه حسين ـ الذي جعله الحلقة الأولى في سلسلة كان يزمع كتابتها تحت عنوان «أدباء مُعاصرون» .. أقول ما الذي جعله يتحول مائة وثمانين درجة عن موقفه؟!
هذا هو السؤال الجدير بالبحث عن إجابة! ( )
***
أدباء مُعاصرون (1)
طه حسين
بقلم: أنور الجندي

لا تستطيع أن تفهم طه حسين أو تصل إليه بمؤلَّف واحد من مؤلفاته، فهو رجل أحب الحرية وكلف بها منذ صباه، وقد جرَّ عليه حبُّه لها متاعب كثيرة، كانت هذه المتاعب في حلقاتها المتصلة، عاملاً من العوامل التي دفعته إلى أن يُنشئ ألواناً مختلفة من الأدب، وفنوناً من الحديث.
فلقد اصطدم طه حسين بالناس، واصطدم بالحكومات، واصطدم بالملك المطرود، واصطدم بالأزهر والأزهريين في مطلع حياته، وكان طوال هذه الأربعين عاماً من عمر أدبه، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، لا يتوقف ولا يجمد، ولا يبهره المجد الأدبي، أو تُسلمه الشهرة إلى النوم العميق
فهو دائب الإنتاج والإبداع والإنشاء، يُظهر القراء من نفسه وأدبه كل يوم على فن جديد، وهو إلى ذلك دائب القراءة والمطالعة والبحث، حتى ليكاد يصرف يومه كله أو أيامه كلها في بعض الأحيان، لا يلقى أحداً، وقد أغلق بينه وبين مظاهر الحياة اليومية المتعددة باباً صفيقا، ومضى يعيش حياته الأدبية الخالصة. وبالرغم مما بلغ طه حسين من الشهرة المستطارة والجاه الأدبي الضخم، فإنه مازال حريصاً على أن يواجه القارئ أو السامع بشيء، يمكن أن تحس معه، أن الكاتب قد استهوته الشهرة الضخمة، فهو يحترم قارئه وسامعه، ويحرص على أن يتزوّد لهما حين يكتب أو يخطب. وإني لأذكر كيف حاولتُ أن أتصل به ذات مرة، فأُبلغت بأنه لا يستطيع أن يلقاني طوال أسبوع كامل. فلما استفسرت عن ذلك قيل إنه يُعد مُحاضرة، وقد استهواني هذا الغموض والتشويق أن أذهب لأسمع، حتى أفهم لأي مدى كانت هذه المحاضرة التي أخذت منه هذا الوقت الضخم، فألفيتُه صادقاً، حين عرض في بعض جوانب الحديث لمراجعات ضخمة، تناولت الأدب منذ ثورة 1919م حتى هذه الأيام.
وحياة طه حسين ـ كما فلتُ لك ـ سلسلة من المتاعب والاضطهادات والنقد، فهو رجل حريص على الحرية في حياته وفي حياة مصر وفي حياة الأدب العربي. ولذلك فهو لا يلبث أن يصطدم بعامل من العوامل المعوقة حتى يثور، فهو ثائر أبداً، وثائر لا يهدأ ولا يستقر.
ثار في أول أمره على برامج الأزهر، ونظمه في التعليم، ودراساته، وظلت ثورته على الأزهر ممتدة متصلة بعد أن خلف الأزهر، وبعد أن سافر إلى أوربا، وبعد أن خلع عمامته في البحر وهو في مركبه الأول إلى الغرب، وبعد أن عاد ووضع كتابه «في الشعر الجاهلي». وهنا ثارت عليه ثائرة العلماء، واهتزّت الحكومة، وهدّد رئيسها بالاستقالة واضطرب ائتلاف الأحزاب.
ثم ثار على الأدب القديم، وحميت المعركة التي كان هو قطبها، بينه وبين أناس في الأدب، كمصطفى صادق الرافعي وغيره من دعاة المذهب القديم، وهاجم شوقي وحافظ.
ثم اصطدم بالأحزاب الحاكمة التي كانت تحول بينه وبين حرية الرأي، وتنتزعه انتزاعاً من الجامعة، وأعلن الحرب على عهد الدكتاتورية البغيض، الذي حمل لواءه إسماعيل صدقي في سنة 1939م.
غير أن هذه المرحلة الطويلة من الصراع، كانت قد علّمت طه شيئاً جديداً، كانت علمته كيف يلجأ إلى الرمز والإيماء، وصنعت منه الكاتب الذي يستطيع أن يحتال ليقول ما يريدون أن يقع في قبضة الحاكم الظالم أو تحت سلطان القانون.
وهنا نفض طه حسين يده من الكتابة السياسية، واتجه إلى الأدب الخالص، وأخذ يُضمِّن آثاره آيات من القرآن الكريم يقصد بها إلى غاياته، وأخذ يلجأ أحياناً، بل وكثيراً إلى القصص التاريخي الإسلامي ليرسم منه صورة الصراع بين الجماهير التي تطلب العدل والحكام الظلمة الذين يُحاولون أن يقطعوا ما أمر الله به أن يوصل.
ويمثل انتقال طه حسين من صف إلى صف، ومن رأي إلى رأي صورة واضحة للقلق النفسي الذي كان يعيش فيه هذا المفكر الحر.
وهو يؤمن بأنه يختلف عن الناس، فقد جرت العادة أن يتغيّر الناس كلما ارتفع بهم السن فينتقلون من الشمال إلى اليمين ويتطورون من الثورة إلى الاعتدال أما هو فكان على العكس من ذلك؛ بدأ يكتب في السياسة مع المحافظين، ومن قبل مع حزب الأمة، ولطفي السيد، ثم مع عدلي وثروت، وضد سعد زغلول، ثم تطور إلى الشمال. وفي سنة 1932م وجد الأحرار والسعديين قد ائتلفا، وكان يفهم أنه يكتب معهما، ثم بغى الأحرار على السعديين مع الوفديين، وهنا تحول إلى الوفد، ثم ما لبث أن وجد الوفد محافظاً أكثر مما ينبغي، ورأى نفسه أشد تطرفاً من الوفد.
وتغير فيه شيء آخر، تغيّر تصوره للنقد، وانتقل من نقد الألفاظ إلى النقد العام، وآية ذلك نقده للمنفلوطي في أول الشباب، ورأيه فيه بعد ذلك حين اعتذر له عن حملته الأولى.
وأنشأ طه حسين فنوناً من الأدب. أنشأ الأدب الإسلامي على صورة القصة الأوربية «الميثولوجيا» فكان لوناً جديداً غير مسبوق. ثم اضطرته الأحكام العرفية وضغط الحكومات الحزبية إلى إنشاء لونين آخرين، ظهر أحدهما في كتابيه «جنة الحيوان» و«مرآة الضمير الحديث»، وظهر الثاني في «جنة الشوك» وهو نقد للحياة الأدبية على هيئة الحوار.
وطه يكتب في كل وقت، ليس من الكتاب الذين لهم وقت معين، أو مزاج خاص. وقد يفرض عليه أحد كتبه نفسه فرضاً، فيصبح ملزماً به، يختلس أوقات الطعام اختلاساً، ويقطع الصلة بينه وبين من حوله، وأحياناً يكون غاية في الألم، ولكن الأفكار ما تلبث أن تُلح عليه فلا يستطيع أن يُمليها. وقد وقع له أن خلع ضرساً في الساعة الحادية عشرة، ومضى في الإملاء بعد ساعتين. وقد ينتهي من كتاب من كتبه في أيام كما فعل في كتاب «الأيام»، إذ انتهى منه في أسبوع ويومين.
وأعظم مؤلفاته ما كتبه في أوربا، في الجبل، تلك الخلوة التي يحلو له أن يعكف فيها على قراءته وكتاباته.
ويقول الدكتور طه حسين إن أول كتاب قرأه في حياته هو القرآن، ولم يزل يؤثِّر في حياته حتى الآن، وثاني كتاب هو لزوميات أبي العلاء المعري الذي اتخذه موضوعاً لرسالة الدكتوراه قبل أن يُسافر إلى أوربا، ومن مُطالعاته المفضلة كتب القرنين الأول والثاني للهجرة، وأحبها إليه طبقات ابن سعد، وهو يؤثر أن يقضي فترة الغداء مع الكتب الفرنسية الحديثة، ليكون على اتصال دائم بالحركة الفكرية في أوربا.
وطه حسين هو الكاتب الأول في مصر الذي استطاع أن يكشف عن حياته، ويصورها في شجاعة في أكثر من لوحة: «الأيام» و«أوديب».
لقد صوّرها على وجهها، وفصّل ماضيه وحاضره، ورسم ذلك على نطاق واسع، وكان صريحاً واضحاً لم يتحرج من أن يقول إنه كان فقيراً، وكان موضع الزراية، وأنه كان يُنفق اليوم والأسبوع والشهر والسنة، لا يأكل إلا لوناً واحداً، يأخذ منه حظه في الصباح، ويأخذ منه حظه في المساء، لا شاكياً ولا متبرماً ولا متجلداً.
«لقد كان أبوك يُنفق الأسبوع والشهر يعيش على خبز الأزهريين، وويل للأزهريين من خبز الأزهر. وكان يُنفق الأسبوع والشهر لا يغمس هذا الخبز إلا في العسل الأسود. كذلك كان يعيش أبوك مبتسماً للحياة والدرس، محروماً لا يكاد يشعر بالحرمان».
وكان طه في خلال حياته الأدبية والعلمية مُصارعاً، يقذف بالرأي الجديد والفكرة التي تُثير وتُدوِّي، وكان مجدداً، لا يلبث أن يطلع بلون من الأدب أو مذهب من الفكر. ولقد أخصب الأدب العربي المعاصر، وأمده بعدد ضخم من المؤلفات والكتب والأبحاث.

د. حسين علي محمد
18-12-2006, 10:53 AM
سؤال عن طه حسين :
مع الدكتور عبد الحميد إبراهيم:
لو بُعث طه حسين وأصحابه من جديد لما لاقوا الاهتمام!

حاوره: أ.د. حسين علي محمد
......................................
د. عبد الحميد إبراهيم واحد من كبار النقاد العرب، يعمل الآن أستاذا للأدب بجامعة حلوان وقد عمل من قبل عميدا لكلية الدراسات العربية بجامعة المنيا، وأصدر أكثر من ثلاثين كتاباً في الأدب والنقد، منها: الوسطية العربية (أربعة أجزاء)، و"قصص العشاق النثرية"، و"القصة القصيرة وصورة المجتمع الحديث"، و"القصة اليمنية المُعاصرة"، و"مقالات في النقد الأدبي" (اثنا عشر جزءاً) ... وغيرها.
وقد نشرت دراساته في المجلات والصحف العربية، ومنها: الرسالة، والثقافة، والمجلة، والأدب، والحكمة، والفيصل، والهلال، والموقف الأدبي، وإبداع، والحرس الوطني ... وغيرها.
وقد قام بالتدريس في كثير من المعاهد الأكاديمية، والكليات الجامعية، ومنها: جامعة المنيا، أكاديمية الفنون (القاهرة)، كلية الآداب بصنعاء، بوليتكنيك سنتر (لندن)، جامعة الإمام ...وغيرها.
*نشرتم في الفترة الأخيرة ما أسمته الصحافة الأدبية "كنز طه حسين"، المتمثل في رسائل محبي طه حسين وعارفيه وأصدقائه وتلاميذه، ماذا يقدم كنز طه حسين للحياة الأدبية في هذا الوقت؟
-بداية لي حول طه حسين تحفظان:
الأول: إيمانه المطلق بالغرب، وحماسته الشديدة لكل ما جاء به، دون تنقية أو ربط الأمور بمصادرها وظروفها الخاصة.
الثاني: لا يصدر عن نظرية شاملة، فهو يلم بكل شيء، ويبشر بكل المذاهب، ويتحمس لكل الأسماء. دون أن تكون له رؤية خاصة، ودون أن يعتنق فلسفة ينطلق منها، فيتقبل ما يوافقها، ويرفض ما يخالفها.
إن أهمية طه حسين تعود إلى أنه كان يمثل لحظة معينة، تفتحت فيها الثقافة العربية للثقافة الغربية وكانت متعطشة إلى معرفة ما عند الآخر، فانطلق طه حسين يشبع هذه اللحظة، ويرضي هذا التعطش.
وتكشف أوراقه الخاصة، التي أودعها عندي صهره الدكتور محمد حسن الزيات ـ قبل أن يرحل إلى الرفيق الأعلى ـ تكشف هذه الأوراق عن تفاعل طه حسين مع أحداث عصره، وعن اتصالاته مع كل رجال عصره، سواء أكانوا من أهل السياسة أم من أهل الأدب.
إن أهمية هذه الأوراق أخطر من مؤلفاته طه حسين، لأنها تحتوي على أفكار خاصة لم يرد طه حسين أن ينشرها، وهي تُضيء أفكار طه حسين، وتلقي الضوء على أحداث العصر، وتتعلق بأشياء تجري خلف الستارة:
فرسائل إحسان عبد القدوس إلى طه حسين تكشف عن المعاناة التي كان يلاقيها المفكر في مصر في الخمسينيات من هذا القرن الميلادي، وموقف السلطة من أهل الأدب، وهو موقف مسؤول، ولا يزال، عن تردي الحالة الثقافية، وانحسار دور الثقافة.
ورسالة من طيار تكشف الكثير عما جاء من أحداث في الأيام، وتبين أن هذا الكتاب ، على الرغم من أنه يدور حول سيرة ذاتية إلا أنه يمتلئ بالخيال، وتفسير الأحداث بما يضخم دور طه حسين، فهو كتاب أقرب إلى الخيال منه إلى سيرة ذاتية.
ورسائل توفيق الحكيم تُلقي الضوء حول كتاب "القصر المسحور" الذي ألفه بالاشتراك مع طه حسين، وتُشير إلى النقد الذاتي من توفيق الحكيم، الذي كتب الفصول الخاصة به من غير اقتناع، وبإلحاح من طه حسين.
ورسائل العقاد تكشف عن ذكاء هذا الكاتب العملاق الذي استطاع أن يفهم الدوافع الذاتية لطه حسين، ولم تخدعه الأضواء عن تركيبته النفسية، فهو يراه خاضعا لرغبته التي تدفعه إلى مناوشة الآخرين من أجل أن يُشبع رغباته الخاصة.
ورسائل علي عبد الرازق تكشف الكثير عن دور طه حسين في كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وتبين أن الشيخ علي عبد الرازق مبهور بطه حسين، يُردد أفكاره، ويدور في فلكه.
ورسائل سهير القلماوي تكشف عن روح المناورة والذكاء الاجتماعي الذي يتمتع به تلاميذه، دون أن يسند هذا الذكاء الاجتماعي عمق في التفكير، وقدرة على التأليف.
وقد نشرت هذه الرسائل في "أخبار الأدب" مع تعليقات مستفيضة، وكنت أتوقع أن تُثير حركة فكرية، وحوارا شاملا لأنها تتعلق بلحظة خطيرة، وبشخصيات لها دورها الكبير في الثقافة المعاصرة، وبمؤلفات لا نزال نحفظ عناوينها، ربما دون أن نطالعها، ودون محاولة لمعرفة خفاياها، ومعرفة ما وراء السطور.
ولكن كل هذا يمر دون أن يلفت الأنظار، وهذا يعكس الحالة الفكرية في مصر، والتي وصلت إلى حد السكوت والموات، فلا يوجد إثارة للفضول والمعرفة، من هذه الرسائل التي تتعلق بقضايا معاصرة وخبايا فكرية، والتي تمس رجالا لهم دورهم الخطر في مسيرة الحياة الفكرية، ولو أن طه حسين وأصحابه بُعثوا من جديد لما لاقوا الاهتمام، ولنفر منهم الناس، وأحسوا حيالهم بالغربة، وكأنهم "أهل الكهف" في مسرحية توفيق الحكيم، الذين أحسوا بالغربة لأنهم في عصر غير عصرهم، ومع رجال غير رجالهم، وفضلوا أن يعودوا إلى الكهف، على أن يعيشوا مع ناس يتجاهلونهم تمام التجاهل.
.......................................
*** حول رسائل طه حسين:
أرسلت لطه حسين مئات الرسائل، أعطاها الدكتور محمد حسن الزيات لنبيل فرج فنشرها في سلسلة "كتاب الهلال"، كما أعطاها للدكتور عبد الحميد إبراهيم فنشر بعضها، مع ردود من طه حسين تحت عنوان "كنز طه حسين"، وهذا ما كان يُثيره سؤالي معه.

د. حسين علي محمد
18-12-2006, 11:00 AM
وثائق طه حسين «السرية».. ليست سرية:
إبراهيم يهاجم عبد الناصر وأدونيس وعصفور والقلماوي ونصر أبو زيد

بقلم: محمد أبو زيد
..........................

أتى مؤنس طه حسين ذات يوم أباه يشكو من الدسائس والمؤامرات، التي بدأت تدخل رحاب الجامعة، وطه حسين يواسيه ويخبره بأن الخير هو الأصل، وإنما «يفزعنا الشر ويروعنا لأنه نشاز». وينصرف مؤنس ويخاطب طه حسين نفسه: «جميل أن يرث الولد من أبيه مودة الصديق، ولكن من القبيح أن يرث الأولاد بغضاء من أراد بآبائهم الشر. وفي مناسبة أخرى، يأتيه صهره محمد حسين الزيات فيحدثه عن الانفصال بين مصر وسورية ويجيبه طه حسين: لقد تركنا كطموحنا يسبق قدراتنا، ونسينا في تلهفنا أن أساس القدرة في كل بلد من بلادنا، وأساس التضامن والتقارب هو العلم. ويأتيه أديب من العراق يسأله: لم نعد يا سيدي نقرأ شيئا لكم في جريدة الجمهورية منذ فترة، ويقول طه حسين في هدوء: «منذ فترة استغنوا عن خدماتي، علمت ذلكم من خطاب وصلني بالبريد، جاء فيه أن الجريدة تستغني عن خدمات عدد من المحررين منهم طه حسين .
تصلح هذه الحكايات السابقة عن عميد الأدب العربي طه حسين كمدخل لكتاب «طه حسين.. الوثائق السرية» والذي صدر أخيرا عن دار الشروق بالقاهرة في مجلد ضخم يقع في 1081 صفحة من القطع الكبير، مستعيداً حكايات ذلك الزمان وأبطاله وشخوصه، وكتابه، عن طريق استعراض مجموعة من الرسائل التي وردت إلى طه حسين.
يضم الكتاب الضخم الذي حققه وقدم له الدكتور عبد الحميد إبراهيم، عددا كبيرا من الرسائل التي تلقاها طه حسين في حياته، وبعض القصائد التي كتبت عنه، لعدد من المثقفين ورموز الأدب العربي في ذلك الوقت مثل العراقي محمد مهدي الجواهري، واللبنانيين خليل مطران وجورج جرداق والمغربي علال الفاسي، ومن المصريين عباس محمود العقاد وأحمد زكي وإحسان عبد القدوس والشيخ محمد متولي الشعراوي وعلال الفارسي وعباس العقاد ومحمد مهدي الجواهري والشيخ محمد متولي الشعراوي وتوفيق الحكيم واحمد الزين ومصطفى عبد الرازق وحسين فوزي وإحسان عبد القدوس وأمينة السعيد ومحمد مندور والشيخ احمد حسن الباقوري واحمد زكي وحسني إبراهيم وعبد الرازق السنهوري وسهير القلماوي وزكي مبارك وغيرهم الكثير. ورغم أن الكتاب يضع على غلافه عبارة أن الوثائق الموجودة في سياقه سرية، إلا أن المفاجأة غير السارة التي سيتلقاها القارئ فور تصفحه لهذه الرسائل، أنها منشورة من قبل، وأنها ليست سرية بالمرة، وربما يبدو الجهد الحقيقي في جمعها في كتاب واحد، وإن خلت من كل ما يذكره المحققون في كتبهم في هذه الحالات من عناية بذكر الأعلام، وتعريفهم، خاصة وأن الزمن تغير، ولم يعودوا كلهم نجوما يعرفهم القارئ بمجرد ذكر أسمائهم .
تتصدر الكتاب مقدمة طويلة تصل لتسعين صفحة، لا يذكر فيها المؤلف شيئا عن الرسائل، ولا عن طه حسين، ولا عن الإشكاليات التي أثارها، ولا زال يثيرها حتى بعد رحيله، وإنما يقدم ما يسميه «مستقبل الثقافة في مصر والعالم العربي، قراءة في مشروع التنوير»، ويروج له على اعتبار أنه الكتاب الذي تحتاجه اللحظة التاريخية الراهنة، كما قدم طه حسين كتابا مشابهاً، في لحظة تاريخية أخرى بعنوان «مستقبل الثقافة في مصر». وتبدو هذه المقدمة الطويلة لمن يقرأها منفصلة تماما عن سياق الكتاب، لا يفعل الكاتب فيها شيئا سوى أن يترحم على الزمن الجميل، ثم ينطلق ليهاجم الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر وأيامه، ثم يهاجم الشاعر أدونيس، ويعود ليربط بينه وبين شكري مصطفى زعيم تنظيم التكفير والهجرة، معتبرا الاثنين قادة تطرف. الأول تطرف فكري تجاه الغرب، مشيرا إلى أنه خرج من عباءة طه حسين، والآخر تطرف فكري تجاه الأصولية، منطلقا من عباءة سيد قطب، ثم يقوده الحنين بعد ذلك مرة تلو المرة للترحم على زمن ولى، ويقدم احتفاء خاصا بالكاتب الراحل أحمد حسين الزيات، الذي قام بإهدائه الرسائل التي أعد منها الكتاب، ويقدم اقتباسات من كتاب له، ويكرر الاقتباس مرتين، بنفس النص، ومع احترام القيمة الكبيرة للزيات، إلا أن المحقق رغم ذلك لم يذكر شيئا خلال كل هذا عن فحوى الكتاب الذي يقدم له، ولا عن أعلامه، ولا عن علاقتهم بطه حسين .
ولا يكشف الكاتب في معظم الوثائق عن الحكايات التي وراءها، بل إنه في بعض الأحيان يقدم الوثائق ناقصة، بمعنى أنه يترك النص كاملا في صورته الفوتوغرافية، ولا يقوم بنقله تسهيلا للقارئ، كما فعل مع رسالة لمصطفى عبد الرازق، وقصيدة للشيخ محمد متولي الشعراوي، وغيرها . تكشف بعض الرسائل التي يعرض لها الكتاب الكثير من مجريات الأمور الثقافية في منتصف القرن الماضي، ففي رسالة بعث بها إحسان عبد القدوس في 1966 إلى طه حسين، نقرأ قطعة أدبية قيمة، تعكس إحساسه قبل نكسة حزيران 1967، ففيها يخاطب حسين قائلا «أستاذي الكبير .. قصتي الأخيرة التي تحمل اسم «أنف وثلاث عيون»، رفضت الدولة التصريح بنشرها في كتاب، إلا بعد أن أحذف منها وأعدل فيها، ورفضت أنا الحذف والتعديل، وبالتالي لم ينشر الكتاب، ويتحدث إحسان عن مشكلة لديه، «مشكلتي أنني فقدت الثقة في نفسي، إلى حد أنني لم أعد مقتنعا بأن لي إنتاجا أدبيا يستحق أن يقرأه استاذي طه حسين، ووجدت نفسي صريع أزمة نفسية قاسية، أبعدتني عن الناس، وكل مراكز الحركة، وكل من أحبهم، واكتشفت أني إنسان ضعيف، غاية الضعف»، ويكشف إحسان في رسالته بعض أمراض صحافة ما قبل النكسة: «هناك حملة مجهولة ظالمة وجهت ضدي، وأنا أنشر قصة «أنف وثلاث عيون» مسلسلة في مجلة روزاليوسف، ولم تكن حملة أدبية، ولم يقم بها أدباء، ولا حتى أنصاف أدباء، إنما قام بها بعض كتاب الصحف المشوهين، في وقت كانت حالة الصحافة تبيح لمثل هذه الأقلام أن تكتب ما تشاء، وكانت الحملة ـ كما هي العادة ـ تقوم على اتهامي بالإثارة الجنسية، وانتهت الأزمة بأن قدم أحد أعضاء مجلس الأمة سؤالا عن القصة إلى الوزير المختص، ولم يكن حضرة النائب أديبا، بل إنه اعترف لي بأنه لم يقرأ القصة أصلا، ولكن قدمت له بعض فقرات منها، إنه نائب كان يسعى لنشر اسمه في الصحف فحسب»، ويشبه ما يذكره إحسان في رسالته إلى طه حسين ما شهدته مصر منذ فترة قصيرة، عندما تمت مصادرة رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر، وما حدث بعدها في أزمة الثلاث روايات عندما صودرت من دون أن يقرأها نواب البرلمان الذين طالبوا بذلك.
ومن الوثائق المهمة، ما يمكن تسميته بوثائق الجامعة، والتي تكشف جانبا مهما من حياة طه حسين، ومنها وثيقة تعود إلى سنة 1932، تمثل احتجاج طه حسين على قرار فصله من الجامعة. ووثيقة أخرى تعود لسنة 1934 عن عودة طه حسين إلى منصبه. وتعتبر هذه الوثيقة عبارة عن استفتاء شعبي، بحسب المحقق، يتمثل في كم التلغرافات التي انهالت عليه من كل الناس، بداية من نجيب محفوظ، ومرورا بتلغرافات من الاسكندرية ودمياط وسمالوط وأبو قرقاص وطنطا وأسيوط والزقازيق والأقصر، وغيرها. ويقول نص أحدها الموجه من وهبة عبد السيد بالإسكندرية: «عادت الحرية العلمية بعودتكم للجامعة، تهنئتي القلبية». ووثيقة أخرى عام 38 تمثل معاناة طه حسين في عمله وخطابات التهديد بقتله التي وصلته أكثر من مرة. والوثيقة عبارة عن خطاب إلى مدير الجامعة المصرية، يقدم فيه طه حسين استقالته، ربما لأن الجهات المسؤولة لم تتخذ موقفا حاسما من خطابات التهديد بقتله. وهو يؤكد ان هذا التهديد لا يهمه ولا يخيفه، ولكن يخشى أن يصرفه عن رسالته في العمل من أجل مصلحة الطلاب والجامعة .
وفي قسم «رسائل توفيق الحكيم»، يكتب الأخير إلى طه حسين من النمسا عام 1936 «أهنئك أولا باستقلال مصر، لست أدري متى أعود إلى مصر، إني متردد بين النيل التي تقلع في 2 سبتمبر، وبين الكوثر التي تبرح مارسيليا يوم 9، أرسل إلي خليل بك مطران خطابا يبعث فيه إليك وإلى الأسرة أجمل التحية، وكذلك فعل مسيو بران، وأنا أزعجني توعك صحتك وأتمنى لك وللأسرة خير صحة وحال». ويكشف الحكيم في هذه الرسالة جزءا من اسرار كتاب «القصر المهجور» الذي كتبه بالاشتراك مع طه حسين «كقارئ أستطيع أن أقول إنك قد كتبت شيئا ينتزع مني الابتسامة المرحة الصافية حينا، والتأمل والتفكير والإعجاب أحيانا، ولئن كان هنالك ما يخيف حقا، فهو ما كتبت أنا، ولا أقولها متواضعا، وإنما هو أيضا إحساسي كقارئ، فأنا أقوم في هذا الكتاب بدور المعكر لما فيه من صفاء، وأنا الذي ينبغي له أن يقول بكل إخلاص: إذا استطعت أن تلائم بين أجزاء فصولك، وأن تنشر الكتاب بغير فصولي، فإنك تخرج أثرا أدبيا من امتع وألذ ما ظهر في العربية». وفي رسالة أخرى حول نفس الكتاب يقول الحكيم «صديقي العزيز، لقد أعدت النظر في الفصول التي كتبتها أنا من الكتاب الذي كنا نسميه «القصر المسحور» فوجدتها لا تستحق النشر من حيث القيمة الأدبية، وقد حذفت بعض ألفاظها «ويبدو من الرسالتين أن الحكيبم لم يكن مقتنعا بفكرة إصدار عمل إبداعي يشترك فيه طرفان، لأن الإبداع يقوم على عملية «الحضن الذاتي» ـ بحسب تعبير المحقق ـ وهي عملية تتم داخل «ذات «واحدة، تحضن العمل كما تحضن الجنين، وتحس بتخلقه عضوا فعضوا، وتتحمل وحدها آلام المخاض، وتحس ببهجة الخلق وتمام النمو إحساسا لا يشاركها فيه أحد» .
ومن القصائد التي يقدمها الكتاب ضمن الوثائق «السرية» لطه حسين، قصيدة للشيخ محمد متولي الشعراوي كتبها سنة 1955 وقت أن زار طه حسين السعودية، وكان الشيخ يومها عضو البعثة الأزهرية في السعودية، فاستقبل طه حسين بهذه القصيدة، غير أن المحقق يقول «من الصعب أن نوردها كاملة هنا، فهي تزيد على 110 أبيات».
وقصيدة لجورج جرداق كتبها في بيروت سنة 1948 يقف فيها عند قصة «المعذبون في الأرض».
في صفحة 400، قرابة نصف الكتاب، يقدم المحقق مقدمة ثانية معنونة «عزيزي طه حسين، رسائل غير منشورة»، ويسمي مقدمته «أنا وطه حسين «وبغض النظر عن تقديم الأنا هنا على طه حسين، فالمحقق يقول إن ثلاثة شكلوا كيانه هم «النبي محمد، والده، طه حسين «ثم يبدأ بعد ذلك في سرد ذكرياته، من دون أن يذكر هل المكان المناسب لهذا هو منتصف الكتاب . ويحتوي الجزء الثاني من الكتاب على رسائل لـ: مي، وسهير القلماوي، وأمينة السعيد، ومحمد كامل حسين، ومحمد مندور، وسليم حسن، وزكي مبارك، والباقوري، وبعض أفراد اسرته، مثل والدته، وابن أخته وإخوته تكشف عن بعض علاقته بهم، في حين يحتوي الجزء الثالث من لكتاب وثائق لسيد قطب وعبد الله الطيب، وأخرى من الشيعة . أعتقد أن من حق القارئ هنا أن يتساءل عن سر إفراد المحقق صفحات لذكر مساوئ هؤلاء النقاد في كتاب عن وثائق طه حسين، وسرد ذكرياته الشخصية، والمقدمة التي تتجاوز التسعين صفحة، ناهيك عن الأخطاء النحوية والإملائية، وعدم تعريف أعلام الكتاب، ومقالات ضمها الكتاب له جمعها من هنا ومن هناك، وما علاقة ما ذكره برسائل طه حسين السرية، ولماذا يقوم باقتباس مقتطفات من كتابه ـ أي كتاب المحقق ـ شواهد ومشاهد، ليؤكد للقارئ أنه تأثر بطه حسين، الذي اتهمه قبلها بسطور أنه ساهم في تغريب الناس عن اللغة العربية.
* هجوم على تلاميذ طه حسين
> يهاجم المحقق تلاميذ طه حسين واصفا إياهم بأنهم لم يكونوا امتدادا للعمق التراثي عنده، وإنما كانوا امتدادا للجانب الآخر الذي يتمثل في الذكاء الاجتماعي، فيصف سيهير القلماوي مثلا، بأن زادها من التراث قليل، وتكشف رسائلها إلى طه حسين عن أخطاء إملائية ولغوية، وعن أسلوب يخلومن العناية، على حد تعبيره، مشيرا إلى أنها تقترب من اللهجة العامية، وتكتب بأسلوب يخلو من نصاعة الفصحى، وطه حسين لا يوجهها إلى أخطائها، بينما يوصيها بالعناية بالفرنسية، وتكتب له في إحدى رسائلها إنها عند حسن ظنه، وأنها تتقدم في الفرنسية تقدما يرضي أستاذها. ويتهمها المحقق هذه المرة، بأنها لم تترك مؤلفا ولا بصمة علمية مميزة واستغرقتها العلاقات الشخصية. ثم يصف جابر عصفور بأنه ورث عن استاذه صفة الذكاء الاجتماعي, وهو في تعامله مع التراث يلتقط خبرا من هنا وخبرا من هناك، ثم يسبك كل ذلك في أسلوب جذاب يوحي بالموضوعية، كما أنه يعمد إلى المعلومات الشائعة، ويميل إلى إخلاء الساحة من كافة النقاد حتى تخلو له وحده»، ويقول إنه «لم يترك إبداعا ولا إضافة لغوية رائدة ».
أما نصر حامد أبو زيد، فيهاجمه محقق الكتاب قائلا «إن بضاعته من التراث قليلة، أقدم عليه بأفكار مسبقة، تعود في مجملها إلى فكرة الشك التي شرحها طه حسين في الشعر الجاهلي»، ثم يقوم بوضعه مع أدونيس والمستشرقين في سلة واحدة حين يقول «إن أبا زيد أقدم على التراث وهو يحمل أفكارا مسبقة، تمثل صدى لطه حسين وأدونيس ولبعض المستشرقين، ومن هنا فإن منهجه يقوم على فكرة الانتقاء من التراث، فهو يقتطع نصا من أحد المفسرين من سياقه العام، ثم يضم هذا إلى ذلك ليؤيد أفكاره» ويضيف «إنه ـ أي المحقق ـ أقدم على التراث جملة واحدة من دون أن يفرق بين الغث والسمين، الأصيل والوافد، فكله في نظره تراث»، والثلاثة في النهاية يعتبرهم «سهير القلماوي تمثل صفة توظيف الظروف المحيطة، وجابر عصفور يمثل صفة الإبهار، ونصر حامد ابو زيد يمثل صفة الاستفزاز» .
.....................................
*الشرق الأوسط ـ في 22/11/2006م.

د. حسين علي محمد
17-06-2007, 12:50 AM
مركز رامتان احتفل بذكراه
طه حسين الغائب.. الحاضر

بقلم: عبدالله داود
.......................

مرت دون ضجيج ذكرى ميلاد عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، ولا شك اننا بحاجة ماسة الى تأمل ذكرى العميد لعلها تكون رمزاً لتذكر ما تركه من تراث ثقافى ومعارك فكرية لعبت دوراً هاماً فى تحريك المياه الآسنة وايقاظ حيوية مصر فى القرن العشرين.
ولد العميد فى 14 نوفمبر 1889 ورحل فى 28 أكتوبر 1973 وترك عشرات الكتب الهامة التى كان من أبرزها الشعر الجاهلى ومستقبل الثقافة فى مصر وحديث الاربعاء وعلى هامش السيرة والشيخان وذكرى ابى العلاء وغيرها.. كما تقلد العديد من المناصب داخل الجامعة وخارجها فشغل منصب عميد كلية الآداب ومنصب وزير المعارف عدة مرات ورأس تحرير العديد من الصحف والمجلات التى ساهمت فى مقاومة التخلف وزرع بذور الاستنارة والعقلانية والابداع والتقدم.
أما عن طه حسين الانسان فيتحدث د/ الطاهر المكى ايضا قائلا:
حدث فى عام 1948 أن كان د. محمود على مكى أول دفعة كلية الآداب فى قسم اللغة العربية.. وأعلنت الجامعة عن بعثة فتقدم آخرون ومعهم مكى.. ولكن شغلها خريج آخر كان له من يسنده فى مجلس النواب فكتب مكى مقالا فى جريدة أخبار اليوم بعنوان.. هل كان من الضرورى أن يكون خالى عضوا فى مجلس النواب لأن أكون عضوا فى بعثة.
وقرأ طه حسين المقال وبعث الى كاتبه ومسكه من أذنه قائلا: أنت كتبت ما كتبت ولو كان صاحب هذا الكرسى غيرى لفصلك من عملك ولكن رغم مقالك هذا سأرسلك فى بعثة وبالفعل كان مكى أحد أفراد البعثة الى مدريد. عن طه حسين المفكر فيقول الدكتور مكى: ظل طه حسين يكتب ويناقش ويقترح ويحاول على امتداد قرابة ستين عاما وكان يقول: أنا لا أراجع ما اكتب قبل أن ألقيه، ولا أراجع بعد الالقاء، ولا قبل الطبع ولا بعد الطبع، وأصعب شيء عندى هو المراجعة.
ويضيف د. الطاهر: من الخطأ الكبير أن نأخذ فكرة من طه حسين فى مطلع حياته ثم نبنى عليها آراؤه وأفكاره لأنه سرعان ما يتثبت من خطئه ويرجع عنه فى كتاب آخر أو رأى آخر.
وطه حسين أصدر كتاب الشعر الجاهلى وأثار مشكلة دينية كان لها صدى فى ذلك الوقت وتراجع الرجل وحذف الفقرة الدينية التى أثارت بلبلة.. وبعد ذلك كتب أروع مقالاته والتى جمعها فى كتاب حديث الأربعاء باستعراضه لروائع الشعر الجاهلى والعباسى ودخل معمعة الكتابات الاسلامية منها:
المعذبون فى الأرض - على هامش السيرة - الديموقراطية فى الاسلام.
وفى بدء حياته لم يكن يستخدم الفكر الاسلامى أو الأدب الاسلامى وإنما كان لفظ العربى هو الملازم له إلى أن تراجع بعد ذلك وقال: الفكر الاسلامى ايضا منبع الحضارة والثقافة الاسلامية.
وكان طه حسين يرى أن اللغة الأجنبية ليست غاية فى ذاتها وانما هى غاية لتطوير اللغة العربية والارتقاء بها.
ويقول د. الطاهر مكى لا يوجد انسان خال من العيوب.. هناك عيبان لفتا نظرى فى طه حسين أولهما: انه كان شديد الاعتداد بنفسه ويتمثل ذلك فى انه اذا كان فى الجامعة حاول ان يضع وزارة المعارف تحت يده وإذا كان فى وزارة المعارف حاول أن يضع الجامعة تحت يده.
ثانيهما: موقفه من الملك
وأنا لست ناقدا لان إدعاء البطولات الآن سهل لكن الملك على أيامه كنا ملزمين دستوريا بالولاء له.. ويوم حوصر فى عابدين كانت كل الناس غاضبة ومنزعجة ولكن فيما بعد سنة 1945 بدأ الناس ينفرون من الملك نفورا شديدا.. ولكن.... طه حسين فى هذه الفترة لم يتوقف عن الثناء على الملك ثناء أحيانا يتجاوز حد المعقول.
ثم تحدث د. حسام عقل مختتما الندوة بسؤال ماذا يبقى =من طه حسين بعد رحيله ويجيب: إن طه حسين يمثل فى ضمائرنا جميعا فصلا متجددا من فصول كتابه القيم قيمة الحرية والذى يقول فيه مهمتنا أن نشعر المصريين بأنهم خلقوا للعزة ولم يخلقوا للذلة.

وكان لطه حسين السبق فى الدعوة لمجانية التعليم وجعله حقاً للكافة كالماء والهواء.
فى ذكرى طه حسين اقام مركز رامتان الثقافى وهو المركز الذى يضم منزل طه حسين وتراثه بالهرم، اقام ندوة تحدث فيها الاستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكى الاستاذ بدار العلوم والدكتور حسام عقل استاذ الادب الحديث بكلية التربية جامعة عين شمس والدكتور سعد الهجرسى استاذ الوثائق والمكتبات.
تحدث الدكتور الطاهر مكى حديثا فياضا عن طه حسين متناولا فصولا من سيرته الذاتية ومسيرته الفكرية والعملية وقال فى البداية:
رأيته للمرة الأولى عام 1946 فى قاعة. إيوارث فى الجامعة الأمريكية.. وكان من عادة الجامعة الأمريكية أن تدعو فى كل عام نخبة من المثقفين المصريين فى جميع المجالات وتختارهم من الذين لهم رأى وكلمة وكان طه حسين من بين المدعوين ليتحدث عن الثقافة فى مصر وكان فى ذلك الوقت مبعدا عن الثقافة نائيا عنها..
وفى هذه المحاضرة تقدم طه حسين إلى منصة الخطابة رابط الجاش مطمئن الخطى مرتفع القامة والهامة.. وبدأ يتكلم .. بلا تلعثم ولا اضطراب.. والواقع ان صوته كان لحنا موسيقيا عذبا..ولا زلت أذكر - والكلام ل د. الطاهر- حتى هذه الساعة رغم مضى ستين عاما عليها كأنها كانت بالأمس وما أعفانى هو روعته فى ان يعطى كل حرف من الكلمة حقه.. فهذا شيء لا أراه ولا أسمعه إلا نادرا فى أيامنا..
ومضت الخطبة والناس مأخوذون به... أما أنا فلم أتتبع ثقافته ولا أفكاره وإنما كنت أتتبع هذا العازف الماهر للغة العربية.
أما المرة الثانية يضيف د. الطاهر مكى فكانت عام 1949 وكانت الدولة تحتفل بمرور مائة عام على وفاة محمد على. وكان وزير المعارف فى ذاك الوقت العشماوى باشا وكان طه حسين مبعدا من الوزارة.. وكان الدكتور ابراهيم مصطفى عميد دار العلوم صديقا لطه حسين.
وقرر ابراهيم مصطفى ان تحتفل دار العلوم ايضا بمرور مائة عام على وفاة محمد على.. وأن يكون خطيبها هو طه حسين..
تحدث طه حسين وابدع فيما قال ومن ضمن ما قال فى خطبته تلك. ليس صحيحا ان مصر لم تكن شيئا مذكورا قبل محمد على.. بل كانت شيئا عظيما.. وانما كل ما فعله محمد على هو إزالة الأسوار بين مصر وأوروبا..
ثم يضيف د. الطاهر المكى قائلا:
أما المرة الثالثة التى قابلت فيها طه حسين فلها قصة عجيبة وهى انه كان هناك صراع عنيف بين طه حسين والتربويين فى وزارة المعارف وعلى رأسهم اسماعيل القبانى.
وكان القبانى رجلا تربويا ولكن كمثل المسئولين عن الوزارات حاليا كان ضد مجانية التعليم رغم أنه تلقى تعليمه مجانا... لذا فقد ألغى القبانى ما تتمتع به دار العلوم من اعطاء مكافأة شهرية لكل طالب.
المهم سقطت الوزارة وجاء طه حسين وزيرا للمعارف وذهبنا اليه فى مكتبه.
واتصل بفؤاد سراج الدين وعرض عليه القضية فقال له فؤاد باشا: أنا أدبر المبلغ.
وانصرفنا من مكتب وزير المعارف طه حسين شاكرين استرداد حقوقنا.
............................
*العربي (الناصرية) ـ في 28/11/2004م.